علي بن يوسف القفطي
197
إنباه الرواة على أنباه النحاة
قال : ثم أخذ الدواة ، فوقّع لي إلى خازنه بثلاثة آلاف دينار صلة ، فأخذتها ، وامتنعت أن أعرض عليه شيئا ، ولم أدر كيف أقع منه ، فلما كان من غد جئته ، وجلست على رسمي ، فأومأ إليّ : هات ما معك ؛ يستدعى منى الرّقاع على الرسم ، فقلت : ما أخذت من أحد رقعة ؛ لأن النّذر قد وقع الوفاء به - ولم أدر كيف أقع من الوزير - فقال : يا سبحان اللَّه ! أتراني كنت أقطع عنك شيئا قد صار لك عادة ، وعلم به الناس ، وصارت لك به منزلة عندهم وجاه ، وغدوّ إلى بابك ورواح ، ولا يعلم سبب انقطاعه ، فيظنّ ذلك لضعف جاهك عندي ، أو تغيّر رتبتك ! اعرض عليّ على رسمك ، وخذ بلا حساب . فقبّلت يده ، وباكرته من غد بالرقاع ، فكنت أعرض عليه كلّ يوم شيئا إلى أن مات ، وقد تأثّلت حالي هذه - رحمه اللَّه . قال أبو علي الفارسيّ : دخلت مع شيخنا أبي إسحاق الزجّاج على القاسم بن عبيد اللَّه الوزير ، فورد إليه خادم ، وسارّه بشئ استبشر له ، ثم تقدّم إلى شيخنا أبي إسحاق بالملازمة إلى أن يعود ، ثم نهض ، فلم يكن بأسرع من أن عاد ، وفى وجهه أثر الوجوم ( 1 ) ، فسأله شيخنا عن ذلك ، لأنس كان بينه وبينه ، فقال له : كانت تختلف إلينا جارية لإحدى المغنيات ، فسمتها ( 2 ) أن تبيعني إياها ، فامتنعت من ذلك ، ثم أشار عليها أحد من ينصحها بأن تهديها إليّ ، رجاء أن أضاعف لها ثمنها ، فلما وردت أعلمني الخادم بذلك ، فنهضت مستبشرا لافتضاضها ، فوجدتها قد حاضت ، فكان منّى ما ترى . فأخذ شيخنا الدواة من بين يديه وكتب : فارس ماض بحربته * حاذق بالطَّعن في الظَّلم رام أن يدمى فريسته * فاتّقته من دم بدم
--> ( 1 ) الوجوم : الحزن . ( 2 ) سمتها : طلبت منها .